الشيخ الطبرسي

493

تفسير مجمع البيان

المعنى : ( قل أعوذ برب الفلق ) هذا أمر من الله سبحانه لنبيه ( ص ) ، والمراد جميع أمته ، ومعناه قل يا محمد أعتصم وأمتنع برب الصبح وخالقه ، ومدبره ومطلعه متى شاء على ما يرى من الصلاح فيه ( من شر ما خلق ) من الجن والإنس ، وسائر الحيوانات . وإنما سمي الصبح فلقا ، لانفلاق عموده بالضياء عن الظلام ، كما قيل له فجر لانفجاره بذهاب ظلامه . وهذا قول ابن عباس وجابر والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة . وقيل : الفلق المواليد لأنهم ينفلقون بالخروج من أصلاب الآباء ، وأرحام الأمهات ، كما ينفلق الحب من النبات . وقيل : الفلق جب في جهنم ، يتعوذ أهل جهنم من شدة حره ، عن السدي . ورواه أبو حمزة الثمالي ، وعلي بن إبراهيم في تفسيريهما . وقوله ( ما خلق ) عام في جميع ما خلقه الله تعالى ، ممن يجوز أن يحصل منه الشر ، وتقديره من شر الأشياء التي خلقها الله تعالى ، مثل السباع والهوام والشياطين وغيرها . ( ومن شر غاسق إذا وقب ) أي ومن شر الليل إذا دخل بظلامه ، عن ابن عباس والحسن ومجاهد . وعلى هذا فيكون المراد من شر ما يحدث في الليل من الشر والمكروه ، كما يقال : أعوذ من شر هذه البلدة . وإنما اختصر الليل بالذكر ، لأن الغالب أن الفساق يقدمون على الفساد بالليل ، وكذلك الهوام والسباع تؤذي فيه أكثر . وأصل الغسق : الجريان بالضرر . وقيل : إن معنى الغاسق ، كل هاجم بضرره ، كائنا ما كان ( ومن شر النفاثات في العقد ) معناه : ومن شر النساء الساحرات اللاتي ينفثن في العقد ، عن الحسن وقتادة . وإنما أمر بالتعوذ من شر السحرة لإيهامهم أنهم يمرضون ، ويصحون ، ويفعلون شيئا من النفع والضرر ، والخير والشر . وعامة الناس يصدقونهم ، فيعظم بذلك الضرر في الدين ، ولأنهم يوهمون أنهم يخدمون الجن ، ويعلمون الغيب ، وذلك فساد في الدين ظاهر . فلأجل هذا الضرر أمر بالتعوذ من شرهم . وقال أبو مسلم : النفاثات النساء اللاتي يملن آراء الرجال ، ويصرفنهم عن مرادهم ، ويردونهم إلى آرائهن ، لأن العزم والرأي يعبر عنهما بالعقد . فعبر عن حلها بالنفث ، فإن العادة جرت أن من حل عقدة نفث فيها . ( ومن شر حاسد إذا حسد ) فإنه يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود ، فأمر بالتعوذ من شره . وقيل : إنه أراد من شر نفس الحاسد ، ومن شر عينه ، فإنه ربما أصاب بهما فعاب وضر . وقد جاء في الحديث أن العين حق . وقد مضى الكلام